محمود ماضي

116

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

هذان مستشرقان غربيان وليسا بإسلاميين ، وفقا هنا حين أنصفا الحقيقة التي لا يمارى فيها إلا مكابر . وأخيرا وقع المستشرق « واط » في مأزق - وهو الباحث الحازق - حين أوقف إعجاز القرآن على أمية محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » فقط . فهل نلتمس له العذر باعتباره لم يستطع الوقوف على أوجه إعجاز القرآن لاعتبارات عديدة هو مفتقر إليها منها - فيما يقول صاحب الكشاف - « . . . لا يغوص على شئ من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما : علم المعاني وعلم البيان ، وتمهل في ارتيادهما آونة وتعب في التنقير عنهما ، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة اللّه ، وحرص على استيضاح معجزة رسول اللّه بعد أن يكون آخذا من سائر العلوم بحظ . . . فارسا في علم الإعراب . . ذا دراية بأساليب النظم والنثر . . . قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف . . . وكيف ينظم ويرصف » « 1 » . لقد خاض المستشرق في بحر لجي لا يحسن السباحة فيه . و « واط » متخبط ، فهو في « محمد في مكة » يعتبر أمية الرسول هي العنصر الرئيسي للتدليل على إعجاز القرآن ، بحيث إذا سقطت الأمية انتفى الإعجاز القرآني وهذا ما فندناه منذ قليل . ثم يعود في كتابه « محمد نبيا ورجل دولة » ليقر بأن أمية الرسول من الأدلة المؤيدة لإعجاز القرآن . وقد أصاب هنا « وذلك لأن القرآن يقول : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) [ العنكبوت : 48 ] . فالقرآن لا يقول : « إذن لثبت أن القرآن ليس وحيا » وإنما قال : إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي لوجد الجاهلون في ذلك شبهة يتمسكون بها ، فالأمية دليل مؤيد وليس دليلا ضروريا » « 2 » . وثمة مأخذ آخر على « واط » إذ يقول « ويبدو من المؤكد ، تقريبا » « 3 » . فكيف يجتمع التأكيد الذي هو اليقين ، والتقريب الذي هو الاحتمال والإمكان ؟ ننتقل بعد ذلك إلى تناول الوحي من زاوية أخرى ولكنها متصلة بأمية الرسول « صلّى اللّه عليه وسلّم » .

--> ( 1 ) - الزمخشري : الكشاف ج 1 ص 3 ط . أولى المطبعة الشرقية . ( 2 ) - د . جعفر شيخ إدريس : المصدر السابق ص 225 . ( 3 ) - محمد في مكة ص 85 .